صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
191
شرح أصول الكافي
العلم به لشيء من النفوس العلوية والسفلية والملكية والبشرية الا من جهة الله تعالى المختصة به ، لأنه مما استأثره الله بذاته ، لأنه ليس في الأسباب الطبيعية ما يوجبه ولا في الصور الادراكية العلوية والنقوش القدرية ما تبدر به من قبل . وسيأتي في أحاديث هذا الباب ان لله علمين : علم مكنون مخزون لا يعلمه الا الله . . . الحديث كما ستقف على شرحه إن شاء الله . وحاصل ما ذكرنا : ان كل ما يقع في هذا العالم من الحوادث يكون على ضربين : منها ما يكون وقوعها بأسباب طبيعية قابلية مطابقة لأسباب علوية وهيئات ملكوتية فاعلية متكررة الوقوع وكذلك مقتضياتها . ومنها ما يكون وقوعها على سبيل الندرة ، ومثل هذا القسم قد يبتدئ سببه من هذا العالم كدعاء داع يؤثر دعائه ويسمع لطبقة من الملكوت الاعلى لا يستحيل ولا يمتنع عليها التأثر والانفعال ، لأنها نفوس متعلقة بمواد الأفلاك عالمة بما وقع أو سيقع في هذا العالم من الحوادث ، سواء كانت من الصور الجسمانية أو من الهيئات النفسانية لهذه النفوس المعلولة لها ، وهي أيضا مؤثرة في هذا العالم ضربا من التأثير بتحريك أو تسخين وان لم يكن إفاضة لصورة وإنشاء لجوهر ، لان ذلك شأن المفارق بالكلية عن عالم الأجسام ، من العقول الصريحة التي لا تكون الّا فعالة غير منفعلة مؤثرة غير متأثرة ، وهذه مؤثرة من وجه متأثرة من وجه . فلسبب ما ذكرناه ينتفع بالدعوات والقرابين خصوصا فيما يعم نفعه ، كما في امر الاستسقاء وفي أمور أخرى نادرة الوقوع كاهلاك قوم فجرت بغرق أو خسف أو زلزلة ، وأكثر معجزات الأنبياء عليهم السلام من هذا الباب ، اعني مما يبتدئ سبب وقوعها من هذا العالم إلى عالم النفوس الكلية المؤثرة فيما تحتها بعد ان تتأثر من دعاء الداعين ونحوه ، ولهذا ما يجب ان يخالف المكافاة على الشر ويتوقع المكافاة على الخير . فالبداء أيضا من هذا القبيل وهو سنوح امر لم يكن متوقعا لعدم تقدم أسبابه الأرضية والسماوية ولا الاطلاع عليها من النفوس العالية والسافلة الا عند قرب وقوعه ، وقد علمت أن هذا غير مستحيل على طبقة من الملكوتيين ليست من العليين بل متوسطة بين العالمين : عالم العقول المحضة وصورها القضائية وبين عالم الأجسام الطبيعية وصورها الكونية المادية ، ومع ذلك ليس الجميع خارجا عن قانون القضاء